ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

55

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

قال تعالى : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] . اعلم ثانيا أن المعلوم كان ما كان حقّا كان أو خلقا ما لا يعلم بغيره أصلا وليس له دليل قاطع عليه سوى نفسه ، والبصر له الشهود ، والعقل له القبول ، وهذا هو التحقيق « 1 » الأتم ، والذوق الصحيح الأشمل الأعم ، وغير هذا الذوق تمويه وتمريج « 2 » . فمن تطلّب معرفة الأشياء كما هي بالدلائل الخارجية الغريبة التي ليست عين المطلوب ، فمن المحال أن يحصل ذلك ، بل استسمن الورم ، ونفخ النار بلا ضرم ولا تظفر يداه إلا بالخيبة ، فلهذا نصّ أهل الحق رضي اللّه عنهم ، وأهل العقول السليمة على أن الشيء لا يدرك بما يغايره في الحقيقة ، ولا يؤثر شيء فيما يضاده وينافيه من الوجه المعتاد والمنافي ، بل يدرك بغلبة حكم ما به الاتحاد والاشتراك على ما به الامتياز ، فافهم . وبيانه أن إدراك الأشياء كانت ما كانت بكنهها ، ولو كان منعذرا من حيث

--> ( 1 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : التحقيق هو ما يحصل معه القطع الذي يستحيل معه وجود النقيض ، وحقيقته : وجدان وجود في كشف يستحيل معه الستر الموجب لتوهم الغيب ، وغايته : بلوغ يوجب الوقفة ؛ لاستحالة توهم مطلوب سيحصل ا ه . ( 2 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : الذوق هو إدراك في القلب ، يميز به بين أشخاص أصناف المعاني ، هذا إذا صح من علة داء الشرك الخفي ، وحقيقته : وجدان حلاوة من التمنّى في رياض تروض الرضا ، وغايته : الاستغناء في تصور معاني الحقائق عن نصب الأدلة والبراهين السمعية والعقلية ا ه . وقال البغدادي في شرح الصلاة : هو نور عرفاني يقذفه الحق بتجلّيه في قلوب أوليائه يفرّقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب وغيره . وقد عرّفه الشيخ الأكبر بأنه : أول مبادئ التجلّي المؤدي إلى الشرب ؛ لأنه إذا كان نفسين فهو الشرب ، والوجدان ما يحس به بالباطن كالجوع مثلا . واصطلاحا : ما يجده العارف في قلبه من التجليّات الإلهية ، فكما أنّ من أحسّ بالجوع باطنا لا يتردد فيه ، ولا يكون لأحد معه ، دخل في هذا الإحساس الباطني الخاص ، كذلك من وجد الحق تعالى يكون بهذه الكيفية .